ابن بسام
187
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وذكّره بأيام سلفه ، فقبل القاسم هديته ، واعترف بوسيلته ، / وعقد له على أعماله ، وسمّاه المؤتمن ذا السابقتين ، فتوطّد سلطانه ، واشتمل على خدمته أربعة من الكتاب حتى سمّاهم الناس الطبائع الأربع ، وهم : ابن طالوت وابن عباس [ وابن عبد العزيز ] وابن التاكرني المذكور ، كاتب رسائله ومكانه من الأدب والعلم والذكاء مكين ، فانتشر كلامه ، واعتلى ذكره ، ولم تزل حاله تسمو حتى اتّصل بوزارته فنال جسيما من دنياه . فلما كان سنة اثنتين وخمسين اعتلّ علة أعيا علاجها ، واختلفت نوبها ، تطمعه تارة وتؤيسه أخرى ، والإرجاف لا يفتر عنه ، إلى أن قضت عليه في ذي الحجة من العام ، فاجتمع أصحابه على تأمير ولده عبد الملك [ 1 ] ، وقام له بأمره كاتب والده المدبر لدولته ابن عبد العزيز ، المشهور مع معرفته بابن روبش [ 2 ] القرطبيّ ، وكان موصوفا بالرّجاحة ، فأحسن هذا الكاتب معونته على شأنه ، وتولّى تمهيد سلطانه ، واستقرّ أمره على ضعف ركنه ، لعدم المال ، وقلة الرجال ، وفساد أكثر الأعمال . وراعى هذا الكاتب الشهم مدبّر هذه الدّولة في هذا المؤمّر عبد الملك مكان صهره وظهيره المأمون يحيى بن ذي النون ، إذ كان صهر عبد الملك أبا امرأته ، المساهم له في مصاب أبيه ، المعين له على سدّ ثلمه ، الذائد عنه كلّ من طمع فيه ، فانزعج ، عند نزول الحادثة ، من حضرته [ 3 ] طليطلة إلى قلعة قونكة من طرف أعماله ، للدنوّ من صهره عبد الملك ، وبادر بإنفاذ قائد من خاصّته وبالكاتب ابن مثنّى إلى بلنسية في جيش كثيف ، أمرهم بالمقام مع عبد الملك وشدّ ركنه ، فسكنت الدهماء عليه . ومضى / عبد العزيز أبوه لسبيله غير فقيد المكان ، ولا عزيز الشأن ، ولا مبكّ [ 4 ] لسمائه ولا أرضه ، ما فجع به إلّا [ ذوو ] رحمه [ من ] آل [ أبي ] عامر لتناهيه في صلتهم ، حتى صار إسرافه في ذلك من أضرّ الأشياء لجنده ، وأجلبها لذمّه ؛ له في ذلك أخبار مأثورة ، فتوفي وهو أطول أمراء الأندلس مدّة إمارة ، تملّاها أربعين حجة ، إذ كانت إمارته ببلنسية صدر سنة اثنتي عشرة وأربعمائة ، فسبحان المنفرد بالبقاء ، الأول قبل الأشياء .
--> [ 1 ] د ط س : تأمير عبد الملك ابنه . [ 2 ] ط د س : رويش ، والتصحيح عن البيان المغرب . [ 3 ] ط د س : حضرة . [ 4 ] ط س : سبك ؛ د : سمك .